ابن إياس

113

نزهة الامم في العجائب والحكم

فلابد من أخذ شئ من دقيق القمح ، واعجنه بماء النيل في إناء فخار قد عمل من طين مر عليه النيل ، واتركه مغطى طول ليلة عيد ميكائيل ، فإذا وجدته يوم العيد قد اختمر بنفسه ، كان النيل في تلك السنة ويعتبر مع ذلك بكرة يوم عيد ميكائيل إلى الهواء ، فإن مر طيابا فهو نيل جيد وأن هب غير طياب فهو نيل مقصر لا سيما أن هب مر يسبا فإنه يكون غير كاف ، ويعتبر [ ق 93 أ ] أيضا إذا مطر مطر في شهر بابه ولو مطر قليل ، فإنه ينظر أي يوم من أيام الشهر القبطي في العدد فإنه يبلغ الويبة « 1 » القمح تلك السنة من الدراهم بعدد ما مضى من أيام شهر بابه . وقد جرب ذلك في بعض السنين عند وقوع المطر في بابه يوم الخمس عشر منها ، فابيعت الويبة القمح في تلك السنة بخمسة عشر درهما . وكان من انزه فرج مصر وهو اليوم الثامن من شهر بشنس أحد شهور القبط ، ويزعمون أن النيل بمصر لا يزيد في كل سنة حتى يلقى النصارى فيه تابوتا من خشب فيه أصبع من أصابع من قد هلك من أسلافهم الموتى ، ويكون كذلك اليوم عيدا ترحل إليه النصارى من جميع القرى ، ويركبون فيه الخيل ويلعبون عليها ، وتخرج عامة أهل القاهرة ومصر على إختلاف طبقاتهم وينصبون الخيم على شطوط النيل ، في الجزائر ، ولا يبقى مغن ولا مغنية ولا صاحب لهو ولا رب ملعوب ولا بغى ولا مخنث ولا ماجن ولا [ ق 93 ب ] خليع ولا متفرج ولا فاسق ، إلا يخرج لهذا العيد . فيجتمع عالم عظيم لا يحصيهم إلا خالقهم ، وتصرف أموال لا تنحصر ويتجاهروا هناك ، بما لا يبتغى شرحه من المعاصي والفسوق ، وتثور فتن وتقتل أناس ، ويباع من الخمر خاصة في ذلك اليوم بما ينيف على مائة ألف درهم فضة عنها خمسة آلاف دينار ذهبا ، وباع نصراني في يوم واحد بمائتى ألف درهم فضة من الخمر خاصة . وكان اجتماع الناس لعيد الشهيد دائما بناحية شبرا من ضواحى القاهرة ، وكان اعتماد فلاحى شبرا دائما في وفاء الخراج على ما يبيعونه من الخمر في عيد الشهيد . ولم يزل ذلك الحال على ما ذكر من الاجتماع إلى أن كانت سنة اثنين وسبعمائة - والسلطان يومئذ بديار مصر الملك الناصر محمد بن قلاوون والقائم بتدبير الدولة الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير ، وهو يومئذ أستا دار العالية « 2 » بمصر ، والأمير سيف الدين سلار نائب السلطنة بديار مصر فقام الأمير بيبرس المذكور [ ق 94 أ ] في أبطال ذلك قياما عظيما ،

--> ( 1 ) هو المكيال المعروف . ( 2 ) كلمة تركية وهي وظيفة قائد الحرس أو الكتيبة .